في أقصى الفردوس

المقاله تحت باب  قصة قصيرة
في 
09/12/2014 06:00 AM
GMT



احتمال غير مؤكد (1)
بمحاذاة السياج الشجري نقّل خطواته.. بدا حذراً كما لو أنه كان يتوقع أمراً ما، لا عهد لـه به، سيحصل.
الرحاب النادر لأزهار الجهنمية، والرذاذ الشذي للرازقي والآس بأناقته المشذبة الراسخة.. هذه الأشياء كلها غمرته بحزن نائح، وجعلته يرمي سيجارته أرضاً ويدوسها، ويركل حصاة صغيرة كانت على طريقه. وفي ثنية ما، جد غائرة، من ثنيات روحه، تألق ضوء مؤسٍ باهر لجزء من الثانية لمّا أنَّ الباب ـ باب الحديقة الخشبي ـ وهو يدفعه ليدلف.. ثم انطفأ .. انطفأ الضوء، وسبحت ثنيات الروح في قتامة موحشة، فألفى نفسه على فراش كثيف من العشب، تحاصره سكينة ساعة العصر فحدسَ؛ أنْ لا أحد دخل هذه الحديقة منذ زمن طويل.
مشى نحو المقعد الأثيرـ مقعدهما ـ الذي يكاد يكون ذاكرة أنبل أسرارهما، يوم كانا يحتميان، من أذى العالم، بسور من أغصان الليمون، ويباركان الحياة بالقصائد والقبل والضحكات.
أحنى رأسه ليتحاشى فرعاً نافراً كان يعيقه حتماً، فتنملت، على حين فجأة، أطرافه، وأمسك به ما يشبه الرعب حين أبصر امرأة، بيدها ضلع مكسور من أضلاع المقعد ـ مقعدهما ـ وقد جلست عليه.
أفكار مضطربة تسارعت في رأسه الذي بقي على انحناءته (ـ من تكون هذه المرأة؟ ولماذا جاءت إلى هنا؟ ولماذا كسرت ضلع المقعد؟)..ووجد نفسه أمام خيارين؛ إما أن يتراجع ويترك المرأة لشأنها أو أن يقترب ليواجهها ولا يدري ما الذي أرغمه على خيار الاقتراب.
حدقت فيه وقالت:
ـ هكذا إذن، بعد أن تأخرت طويلاً، وجعلتني أحطم هذا المقعد.. ولو لم تأت..
ماذا ؟!.
ـ اجلس.

أغمض عينيه وفتحهما.. تفرس في وجهها، وتأكد من أنه لم ير هذا الوجه من قبل.. تلفت حواليه، وشاهد استبداد نور النهار، والفوضى الودودة للألوان، وفكر في ما إذا كان يحلم الآن، أم أنه يحيا لحظات صحو حقيقية؟ غير أنه ظل يتساءل في دخيلته؛ (( من تكون هذه المرأة، وهل تعرفه حقاً؟ أم أنها مجنونة؟))
قالت لـه: تبدو مثل مجنون.
قالت لـه: لِمَ لمْ تحلق شعر رأسك ولحيتك؟
قالت لـه: وما هذه الأسمال التي ترتديها؟
قالت لـه: وأين هي حقيبة أوراقك التي لم تكن تفارقك؟
قالت لـه: والقصيدة.. قصيدتك الأخيرة.. هل أتممتها؟
وبقي هو ساكتاً، لا ينبس بكلمة.
أحس بصدع يشطره في الأعماق، ويسلِّمه لحالة من فقدان الوعي.. ومرَّ وقت غير قصير قبل أن يهز رأسه ويتمتم:
من أنت؟. من تكونين؟
وقفت، وفغرت فاها، وارتسم على محياها جمود مفزع، فتهيأ لـه أنها ستصفعه، أو ستضربه بضلع المقعد المكسور على رأسه.
ـ أنا لا أعرفك سيدتي.
وثبت عليه مثل لبوة فأمسك بها.
هنا حدث شيء محير. فبعد أن استيقظ يحيط به الظلام ويمضه البرد والألم والجوع، رأى أن من المستحيل أنْ يتيقن من حقيقة ما جرى.
كان يشعر بالخوف، وبالرغبة في الابتعاد.

احتمال غير مؤكد (2)
كسرت المرأة غصن شجرة ليمون لما سمعت وقع أقدام محترسة تقترب، وتساءلت في سرّها، ( مَنْ من حقه دخول هذا المكان بعد رحيله؟ من بإمكانه أن يجرؤ على اقتحام هذا المحراب الذي صنعاه معاً طوال سنوات؟ ).
حدقت فيه.. كان وجهه ملتبساً، تمنحه أقراص الضوء المتلاعبة بهاءً ووحشية.
قالت: ارجع.
قال: ينبغي أن تفهمي.
قالت: من تكون أيها الأبله.
قال: تبدين مثل مجنونة.
صاحت: أنت المجنون.
قال: أنظري إلى أسمالك هذه، وشعرك الذي لم تمشطيه.. أنا أفهم....
قالت: أخرج، قبل أن أجعل دمك يسيل.
قال: لقد جئت من أجلك.. أنا نادم.
قالت: من أنت؟
وانقضت عليه وتشابكا.
لا شك أن شيئاً ما تزحزح عن موضعه، وتغيرت الخارطة.. خارطة وجودهما الخفية، فغابت عن العالم لحين من الدهر، لكنها عندما استفاقت على أنين الأرض الباردة، وخشخشات النجوم وهي تغمزها من بين أوراق الليمون، كانت مفعمة بالغبطة، والرغبة في البكاء، تشعر في أقصى روحها بحضور الفردوس.. الفردوس الساحر والعصي.. الفردوس المحال.
تستحضر، الآونة، كسراً من أنفاس عفنة، وهيجان بهيج.. شيئاً آثماً وقدسياً عنيفاً وعميقاً وناعماً ومباركاً، ومنفتحاً على فسحة مظللة، معتمة، وهو بعيد بُعداً لا سبيل للوصل إليه، وقريب، غاية في القرب، حتى لا يمكن رؤيته البتة.
تتمددُ على العشب، وتقرر البقاء.

احتمال من الجائز تأكيده:
نادته : نور
ركض نور محاذاة السياج الشجري.. رأته جزءاً من رونق أزهار الجهنمية، وشذا الرازقي، وأناقة الآس وحين كررت النداء:
ـ نور.
عثر نور بحصاة صغيرة وسقط ليجد نفسه فجأة، بين ذراعي رجل، غمرته أنفاسه الحارة فبدا قلقاً غير أنه لم يعترض. أما هي فوقفت بارتباك ظاهر تحدج الرجل، ولا تستطيع الكلام، حتى إذا نطقت أخيراً، متلعثمة.
ـ كنت أعرف أنك ستجيء.
ضحك بصخب، ثم طاف في عينيه حزن صافٍ وقال:
ـ أرجو أن يكون حدسك في محلهِ.
قالت: ـ إنك الآن أمامي.. وبيننا نور.
وكان نور ما يزال على ذراعيه، مستكيناً، حائراً، فقال بنبرة مشروخة، وهو يضع الطفل أرضاً.
ـ هذا، إذا كنت أنا.. هذا الواقف أمامك.